ابن كثير
34
البداية والنهاية
رسول الله صلى الله عليه وسلم فأزم عليها بفيه . فاستخرج إحدى الحلقتين ، ووقعت ثنيته مع الحلقة ، وذهبت لأصنع ما صنع فقال : أقسمت عليك بحقي لما تركتني . قال : ففعل مثل ما فعل في المرة الأولى فوقعت ثنيته الأخرى مع الحلقة ، فكان أبو عبيدة رضي الله عنه من أحسن الناس هتما ( 1 ) . فأصلحنا من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم أتينا طلحة في بعض تلك الجفار ، فإذا به بضع وسبعون من بين طعنة ورمية وضربة [ أو أقل أو أكثر ] ( 2 ) وإذا قد قطعت إصبعه فأصلحنا من شأنه ( 3 ) . وذكر الواقدي عن ابن أبي سبرة عن إسحاق بن عبد الله بن أبي فروة عن أبي الحويرث عن نافع بن جبير قال : سمعت رجلا من المهاجرين يقول شهدت أحدا فنظرت إلى النبل تأتي من كل ناحية ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم وسطها ، كل ذلك يصرف عنه ، ولقد رأيت عبد الله بن شهاب الزهري يومئذ يقول : دلوني على محمد ، لا نجوت إن نجا ، ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنبه ما معه أحد ، فجاوزه ، فعاتبه في ذلك صفوان بن أمية ، فقال والله ما رأيته ، أحلف بالله إنه منا ممنوع خرجنا أربعة ( 4 ) فتعاهدنا وتعاقدنا على قتله فلم نخلص إليه ( 5 ) . قال الواقدي : ثبت عندي أن الذي رمى في وجنتي رسول الله صلى الله عليه وسلم ابن قمئة ، والذي رمى في شفته وأصاب رباعيته عتبة بن أبي وقاص ، وقد تقدم عن ابن إسحاق نحو هذا وان الرباعية التي كسرت له عليه السلام هي اليمنى السفلى . قال ابن إسحاق : وحدثني صالح بن كيسان عمن حدثه عن سعد بن أبي وقاص قال : [ والله ] ما حرصت على قتل أحد قط ما حرصت على قتل عتبة بن أبي وقاص وان كان ما علمت لسئ الخلق مبغضا في قومه ، ولقد كفاني فيه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم " اشتد غضب الله على من دمى وجه رسوله " . وقال عبد الرزاق حدثنا معمر عن الزهري عن عثمان الجزري ، عن مقسم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا على عتبة بن أبي وقاص حين كسر رباعيته ، ودمى وجهه فقال " اللهم لا يحول عليه الحول حتى يموت كافرا " فما حال عليه الحول حتى مات كافرا إلى النار ( 6 ) . وقال أبو سليمان الجوزجاني : حدثنا محمد بن الحسن ، حدثني إبراهيم بن محمد ، حدثني ابن عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن حرب عن أبيه ، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم داوى وجهه يوم أحد بعظم بال . هذا حديث غريب رأيته في أثناء كتاب المغازي للأموي في وقعة أحد . ولما نال
--> ( 1 ) الهتم : كسر الثنايا من أصلها . ( 2 ) من رواية البيهقي . ( 3 ) الحديث في دلائل البيهقي 3 / 263 من طريق يونس بن حبيب ، ورواه ابن حبان عن عائشة والصالحي في السيرة الشامية من ابن حبان والطيالسي 4 / 295 . ( 4 ) وهم : عبد الله بن شهاب ، وعتبة بن أبي وقاص ، وابن قميئة ، وأبي بن خلف . ( 5 ) الخبر في الواقدي ج 1 / 237 . ( 6 ) الخبر في تفسير عبد الرزاق عن مقسم ، ورواه أبو نعيم من وجه آخر عن ابن عباس ، ونقله عنهما الصالحي في السيرة الشامية 4 / 294 ونقله البيهقي عنه في الدلائل 3 / 265 .